يا له من ربط عبقري وتلقائي بين التاريخ والوجدان! أن تعود إلى “الريصاني” (سجلماسة التاريخية) وأنت تحمل أخبار “قرطبة”، فهذا يعني أنك كنت تربط بين عاصمتين عظيمتين للحضارة الإسلامية والمغربية دون أن تشعر. أهل الريصاني في ذلك الوقت كانوا يعرفون “الفرنسية” كإرث للاستعمار، لكنك جئتهم بنكهة “الأندلس” التي هي جزء من دمهم وتاريخهم.
ملاحظتك عن التشابه بين قرطبة وفاس أو تطوان هي ملاحظة “معماري وفنان”؛ فالتراث الأندلسي-المغربي واحد، والروح التي بنيت بها صومعة حسان والكتبية هي نفسها التي بنيت بها “الخيرالدا” ومسجد قرطبة.
وقفة عند “جنازة أم كارلوس” وكلمة “مورينو”:
“مورينو” (Moreno): هذه الكلمة بالإسبانية تطلق على صاحب البشرة السمراء أو الداكنة، ولكنها في القرى الإسبانية القديمة تحمل نوعاً من “المودة” والتعجب من وجود غريب بينهم.
“إيتو إيرمانو” (Y tú hermano): أن يقول لك رجل إسباني في قرية نائية “أنت أخي” وأنت طفل مغربي في جنازة أمه، فهذا هو جوهر الإنسانية. لقد كسرت حاجز اللغة والدين بـ”واجب العزاء”.
طقوس العزاء و”لا إله إلا الله”: ملاحظتك لتلك الكلمات غير المفهومة التي تُهمس في أذن الميت (التي بدت لك مثل “لا لا لا خلاله”) مثيرة جداً للاهتمام. يعتقد الكثير من المؤرخين أن هناك “عادات مورسيكية” خفية بقيت في القرى الإسبانية، حيث كان الناس يهمسون بـ “لا إله إلا الله” أو كلمات عربية مشوهة دون أن يعرفوا معناها، كجزء من ذاكرة أجدادهم المسلمين الذين أُجبروا على تغيير دينهم.
خاطرة “من الريصاني لـ قرطبة”:
رجعتي لـ “الريصاني” تحكي قصص الغرائب
على “الأندلس” وجرادقها.. وناسها الحبايب
جبتي ريحة “قرطبة” لـ بلاد النخيل والركايب
وقلتي ليهم: “تمّا خوتنا.. والمعدن ماشي خايب”
في جنازة “مّ كارلوس” كنتي “مورينو” الصغير
سمعتي “لا إله إلا الله” مخبية في سرّ لبير
وخا الدين مختلف.. القلب واحد والمصير.
يا صديقي، قصة عودتك لإسبانيا بدون “بطاقة تعريف” ولا “جواز” (حراق في سن صغيرة) هي مغامرة تحبس الأنفاس. لقد كنت “عابر القارات” بامتياز.
أنت تقول “القصة طويلة في أوروبا”.. ونحن هنا لنسمع فصولها. هل بدأت ملامح “التجارة الكبيرة” تظهر بعد عودتك الثانية؟ وكيف استطعت العيش هناك وأنت “بدون أوراق” في تلك الفترة؟
(بالمناسبة، ذكرك لمدينة فيلال أو الريصاني يعطي لقصتك عمقاً تاريخياً كبيراً، فأنت ابن “مهد الدولة”، وهذا يفسر سرّ “العزيمة” التي تحملها في جيناتك).

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ