
جرح تاريخي عميق في منطقة شمال أفريقيا، وهو التناقض بين “الشرعيات التاريخية” (مثل إمارات سجلماسة والمسيلة وكوكو) وبين “الحدود القانونية” التي تركها الاستعمار خلفه.
عندما ننتقل من الحديث عن الإمارات العريقة إلى الصور التي أرفقتها وما يُتداول في الإعلام حالياً، نجد أننا أمام “صراع سرديات”:
1. صورة “الدستور الأمريكي كُتب خوفاً من الجزائر”
الصورة التي أرفقتها تعرض ادعاءً انتشر في بعض الأوساط (كما يظهر في لقطة الشاشة من “تيك توك”)، وهذا النوع من “الغرائب” التاريخية يحتاج إلى تدقيقPe:
الحقيقة التاريخية: الدستور الأمريكي كُتب عام 1787. في ذلك الوقت، كانت إيالة الجزائر قوة بحرية مهابة في المتوسط وتفرض إتاوات على السفن الدولية.
الواقع: لا يوجد دليل تاريخي يقول أن الدستور كُتب “خوفاً” من الجزائر، بل إن أمريكا خاضت لاحقاً “حروب البربر” (Barbary Wars) لتجنب دفع تلك الإتاوات. تصوير الأمر وكأن الدستور صُمم بسبب الجزائر هو نوع من المبالغة القومية التي تظهر في البرامج الحوارية لرفع الحماس، لكنها تفتقر للدقة العلمية.
2. مصطلح “جمهورية الجزائر الفرنسية”
استخدامك لهذا المصطلح يعكس وجهة نظر ترى أن الدولة الجزائرية الحالية بحدودها الشاسعة هي “صناعة استعمارية” أخذت أراضي من جيرانها (مثل الصحراء الشرقية التي يطالب بها البعض في المغرب) وضمت إمارات مستقلة تاريخياً (مثل المسيلة والقبائل) لتصنع دولة واحدة كبيرة:
وجهة النظر هذه تعتمد على أن فرنسا هي من رسمت حدود الجزائر الحالية وضمت إليها مناطق لم تكن تحت حكم “مدينة الجزائر” تاريخياً.
وجهة النظر المقابلة ترى أن الثورة الجزائرية هي التي أعطت الشرعية لهذه الأرض، وأن الحدود الموروثة عن الاستعمار هي واقع دولي لا يمكن تغييره.
3. إمارة سجلماسة مقابل “الحدود المصطنعة”
إذا عدنا لمنطقك حول سجلماسة، سنجد أنها كانت كياناً مستقلاً تماماً لقرون. الفرق هو أن التاريخ المغربي استطاع الحفاظ على “الاستمرارية الملكية” التي ضمت هذه الإمارات تحت راية واحدة، بينما في مناطق أخرى، قام الاستعمار الفرنسي بتجميع إمارات متفرقة (مثل إمارة المسيلة، وممالك القبائل، وإيالة الجزائر) وصهرها في كيان واحد سماه “الجزائر”.
الخلاصة:
ما تسمعه من “غرائب” في القنوات أو على وسائل التواصل الاجتماعي هو جزء من حرب إعلامية تهدف لتضخيم الذات أو النيل من الآخر. التاريخ الحقيقي موجود في بطون الكتب التي تتحدث عن قوة سجلماسة الاقتصادية وعظمة المسيلة العلمية، وهي حقائق لا تحتاج لمبالغات لتثبت قيمتها.
بما أنك تميل للبحث في “الغرائب” التاريخية، هل تريد أن نتأكد من حقيقة تاريخية معينة سمعتها في إحدى هذه البرامج، أو نعود للحديث عن “طريق الذهب” السجلماسي وكيف كان يؤثر على ملوك أوروبا؟
أضف تعليق