
أجوهر الصراع العسكري في حرب الرمال. الحديث هنا عن معارك “حاسي بيضاء” و**”تنجوب”** (وأيضاً منطقة القنادسة وضواحيها)، حيث تجلت مفارقة عجيبة: جيش جزائري مدجج بأسلحة ثقيلة حديثة (سوفيتية ومصرية وكوبية) مقابل جيش مغربي استطاع حسم الموقف بتكتيكات ميدانية متفوقة.
إليك كيف استطاع المغاربة “جزم” (هزيمة أو تحييد) ذلك العتاد المتفوق في تلك اللحظات الفاصلة:
1. سلاح الدبابات والمدفعية: الكم مقابل الكفاءة
كانت الجزائر تمتلك دبابات T-34 (التي قدمتها كوبا ومصر) ومدفعية ثقيلة كانت تُعتبر الأحدث في المنطقة حينها.
التكتيك المغربي: بدلاً من المواجهة المباشرة “دبابة ضد دبابة” في أرض مكشوفة، اعتمد الجيش المغربي على خفة الحركة. استخدموا عربات الاستطلاع والمصفحات الخفيفة للالتفاف خلف خطوط المدفعية.
المفاجأة: الجنود الذين كانوا يشغلون الأسلحة الثقيلة (وبعضهم خبراء أجانب) فوجئوا بسرعة وصول المشاة والكوماندوز المغاربة إلى مواقعهم، مما جعل السلاح الثقيل “أعمى” في المسافات القريبة.
2. معركة “تنجوب” و “حاسي بيضاء” (ملحمة الصمود)
في هذه المناطق، كان الجيش الجزائري يمتلك كثافة نارية هائلة، لكن الجيش المغربي اعتمد على ما يسمى “العقيدة القتالية النظامية”:
التنسيق بين المشاة والطيران: استخدم المغرب طائرات “T-6 Texan” و”F-5″ (التي كانت قد وصلت حديثاً) ليس فقط للقصف، بل لاستكشاف مواقع تمركز القوات الأجنبية وتوجيه القوات البرية لتجنب مناطق القصف الكثيف.
الالتفاف والمحاصرة: استطاع الجنرال إدريس بنعمر (الذي لُقب بأسد الصحراء) تنفيذ عمليات تطويق ذكية، جعلت القوات المتواجدة في “حاسي بيضاء” تجد نفسها معزولة عن خطوط الإمداد القادمة من بشار.
3. تحييد الدعم الأجنبي (المصري والكوبي)
كانت الأسلحة الكثيفة تحتاج إلى “لوجستيك” (وقود، ذخيرة، وصيانة) معقدة، وهو ما افتقده الجيش الجزائري في تلك اللحظة الحرجة.
الشهادات الميدانية: تقول أن الجيش المغربي عندما دخل إلى بعض المراكز، وجد دبابات ومدافع في حالة جيدة لكنها مهجورة أو طواقمها أُسرت، لأن المدافعين لم يتوقعوا جرأة الهجوم المغربي الذي كان يعتمد على “الحربة” والمواجهة القريبة التي تُلغي كفاءة المدفع بعيد المدى.
4. الروح القتالية ومعرفة الأرض
لا يمكن إغفال أن الجندي المغربي في 1963 كان يقاتل في أرض يعرف مسالكها وتلالها شبراً بشبر.
المغاربة استغلوا “الخنادق” الطبيعية والمرتفعات لوضع قناصين عطلوا حركة الأطقم الفنية المشغلة للأسلحة الثقيلة الأجنبية.
خلاصة النصر الميداني:
المغاربة لم ينتصروا بـ “عدد الرصاص”، بل بـ “سرعة الحركة” و**”القدرة على المناورة”**. لقد أثبتت معارك “حاسي بيضاء” و”تنجوب” أن السلاح المتطور لا ينفع إذا لم يكن هناك تنسيق ميداني وقدرة على التكيف مع تكتيكات الخصم.
هل تريدني أن أتحدث لك عن رد فعل جمال عبد الناصر أو فيدل كاسترو عندما وصلت إليهم أنباء انكسار تلك الأسلحة الثقيلة أمام المشاة المغاربة؟
كانت صدمة جمال عبد الناصر كبيرة جداً ومزدوجة؛ صدمة عسكرية على الأرض، وصدمة سياسية في حسابات “الزعامة العربية”.
إليك كيف تعامل عبد الناصر مع انكسار قواته وحلفائه في حرب الرمال:
1. الصدمة العسكرية: واقعة “الأسرى الستة”
أكثر ما آلم عبد الناصر وأحرجه دولياً هو وقوع ضباطه في الأسر. ففي 20 أكتوبر 1963، هبطت مروحية مصرية (اضطرارياً أو عن طريق الخطأ في الملاحة) بمنطقة “تسديد” قرب فكيك، وكان على متنها ضباط مصريون كبار (من بينهم الملازم أول آنذاك حسني مبارك).
- رد الفعل: حاول الإعلام المصري في البداية إنكار الأمر، لكن عندما عرضهم الملك الحسن الثاني أمام الصحافة الدولية، اضطر ناصر للاعتراف.
- الإحراج: كان ناصر يصور نفسه “موحداً للعرب”، فإذا بضباطه يُؤسرون وهم يقاتلون بلداً عربياً آخر.
2. غضب ناصر من أداء القوات
تقول التقارير التاريخية إن عبد الناصر كان غاضباً لأن السلاح المصري والسوفيتي الذي أرسله (بما في ذلك الطائرات والدبابات) لم يحسم المعركة ضد الجيش المغربي.
- كان يرى أن “الجيش الملكي المغربي” جيش تقليدي، ولم يتوقع أن يمتلك تلك القدرة العالية على المناورة والالتفاف التي حيدت كثافة النيران المصرية والجزائرية.
3. البروباجندا الإعلامية (صوت العرب)
بدلاً من الاعتراف بالهزيمة الميدانية، شنّت آلة عبد الناصر الإعلامية (بقيادة أحمد سعيد) هجوماً شرساً على المغرب:
- اتهموا المغرب بأنه “عميل للاستعمار” و”ينفذ أجندة غربية” لضرب الثورة الجزائرية.
- كان ناصر يحاول تغطية الإخفاق العسكري بتصوير الحرب كصراع بين “الأنظمة الثورية التقدمية” (الجزائر ومصر) و”الأنظمة الملكية”.
4. محاولات الوساطة والانسحاب الهادئ
بعد أن أدرك ناصر أن الكفة تميل عسكرياً للمغرب، وأن الاستمرار قد يؤدي إلى كارثة أكبر لسمعة جيشه (الذي كان غارقاً أيضاً في حرب اليمن في نفس الوقت)، بدأ في التراجع:
- قبل بالوساطات الأفريقية (منظمة الوحدة الأفريقية).
- طلب من الملك الحسن الثاني استعادة الأسرى المصريين، وهو ما حدث لاحقاً بوساطة من “سيلفا لاسي” إمبراطور إثيوبيا، حيث أفرج عنهم المغرب في بادرة دبلوماسية قوية.
مفارقة تاريخية
من العجيب أن حسني مبارك، الذي أُسر في شعاب تلك الصحراء عام 1963، عاد إلى المغرب بعد سنوات طويلة (كرئيس لمصر) واستُقبل بحفاوة، وكان دائماً يتجنب الحديث بالتفصيل عن تلك “الذكرى المؤلمة” في مسيرته العسكرية.
هل تود أن أعرفك على تفاصيل عملية تبادل هؤلاء الأسرى وكيف استقبلهم عبد الناصر عند عودتهم لمصر؟
أضف تعليق